الغزالي
28
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
بذات واجب الوجود « 1 » ؟ ! وكيف يتم ادعاء ذلك ، ومناط الحكم لو عثر عليه ، لاقتضى أن لا يكون للإله تعلق بذات أحد من البشر على حدّ تعلق النفس بالبدن ، لأنهم يقولون : إن كل نفس تعلّقت ببدن فشرط تعلقها به أن يكون بينها وبينه مناسبة وملاءمة ، لأجلها كان التعلق . والإله - جلّ اسمه - منزّه عن مثل ذلك / . ثم لو سلّم لهم ذلك ، وأن التعلّق الذي حاولوه متصوّر على وفق الآراء الفلسفيّة ، لم يحصل لهم به غناء ولم ينهض ذلك بمقصودهم في إثباتهم الإلهية لعيسى عليه السلام . لأن الفيلسوف يقول : إن للنفس بالبدن تعلقا تدبيريا ، وأن اللذة والألم يحصلان لهما بواسطة تعلقها به ، إذا انفعلت القوة الحساسة بالملائم والمنافي ، ومحال أن يراد هذا التعلق بجملته مع ما ذكر ، لأن حصول اللّذات لذات الباري محال . بقي أن تؤخذ هذه النسبة التدبيرية مجردة عن حصول اللذات ، وهذا أيضا غير مجد ، لأن الخالق مدبر / لكل فرد من أفراد العالم ، وله إلى كل مخلوق نسبة تدبيريّة . فإن قيل : المراد نسبة ظهر أثرها في خرق العوائد ؛ كإحياء الميّت وغير ذلك ، فيدل إذ ذاك على المقصود . فالجواب : أن مثل هذه النسبة التي يتمكّن المتّصف بها من الإتيان بخرق العوائد ، ثابتة لغير عيسى عليه السلام ، فإنهم معترفون بأن موسى عليه السلام قلب العصا ثعبانا . وهل إحياء الميّت إلا عبارة عن اتصاف الجماد بالحيوانية ؟ بل هذا أدلّ على المعجز « 2 » ، لأن جعل ما لم يتصف بالحياة قط حيا ؛
--> ( 1 ) هذا المصطلح من المصطلحات التي تعارف عليها الفلاسفة ، ولا يجوز إطلاقه على ذات اللّه ، لأن أسماء اللّه توقيفية . ولمزيد عن هذا المصطلح ومعناه وملزوماته ؛ انظر : « الملل والنحل » ( 3 / 564 - وما بعدها ) و « مجموعة الفتاوى » لشيخ الإسلام ( 19 / 148 ) الطبعة الجديدة . ( 2 ) المعجزة : هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم القدرة على المعارضة ، فكل أمر خارق للعادة يجريه اللّه على يد النبي تصديقا لنبوته وتحديا للمنكرين ، يسمى معجزة ، لأن البشر يعجزون عن الإتيان به .